القرطبي
266
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لقوله صلى الله عليه وسلم : " من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار " . وجاء عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أنه لم يكن وجه أكرم عليهم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما كانوا يقومون له إذا رأوه ، لما يعرفون من كراهته لذلك . الثالثة - فإن قيل : فما تقول في الإشارة بالإصبع ؟ قيل له : ذلك جائز إذا بعد عنك ، لتعين له به وقت السلام ، فإن كان دانيا فلا ، وقد قيل بالمنع في القرب والبعد ، لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من تشبه بغيرنا فليس منا " . وقال : " لا تسلموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليم اليهود بالأكف والنصارى بالإشارة " . وإذا سلم فإنه لا ينحني ، ولا أن يقبل مع السلام يده ، ولأن الانحناء على معنى التواضع لا ينبغي إلا لله . وأما تقبيل اليد فإنه من فعل الأعاجم ، ولا يتبعون على أفعالهم التي أحدثوها تعظيما منهم لكبرائهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تقوموا عند رأسي كما تقوم الأعاجم عند رؤوس أكاسرتها " فهذا مثله . ولا بأس بالمصافحة ، فقد صافح النبي صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب حين قدم من الحبشة ، وأمر بها ، وندب إليها ، وقال : " تصافحوا يذهب الغل " وروى غالب التمار عن الشعبي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا إذا التقوا تصافحوا ، وإذا قدموا من سفر تعانقوا ، فإن قيل : فقد كره مالك المصافحة ؟ قلنا : روى ابن وهب عن مالك أنه كره المصافحة والمعانقة ، وذهب إلى هذا سحنون وغيره من أصحابنا ، وقد روي عن مالك خلاف ذلك من جواز المصافحة ، وهو الذي يدل عليه معنى ما في الموطأ ، وعلى جواز المصافحة جماعة العلماء من السلف والخلف . قال ابن العربي : إنما كره مالك المصافحة لأنه لم يرها أمرا عاما في الدين ، ولا منقولا نقل السلام ، ولو كانت منه ( 2 ) لاستوى معه . قلت : قد جاء في المصافحة حديث يدل على الترغيب فيها ، والدأب عليها والمحافظة ، وهو ما رواه البراء بن عازب قال : لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فقلت : يا رسول الله ! أن كنت لأحسب أن المصافحة للأعاجم ؟ فقال : " نحن أحق بالمصافحة منهم مامن مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبها بينهما " .
--> ( 1 ) في ا وع وك وى : الرابعة . ويلاحظ أن المسائل ثلاث . ( 2 ) في ع ، و ، ى : سنة .